عند أيّ محطة من محطات مسيرتنا المهنية -وليس في بداياتها وحسب- يمكن أن يثور هذا السؤال: ماذا سأفعل الآن؟ هل أستمر في عمل ما ينبغي أم انطلق إلى عمل ما أحب؟ وهل ما أقوم به الآن هو ما ينبغي القيام به؟

نريد جميعاً أن يكون لنا اتجاهٌ في حياتنا المهنية فكيف نعثر على هذا الاتجاه؟

إذا أردت أن تعرف ركّز معي ولا تستعجل حتّى نصل إلى النهاية، اتفقنا؟

جمّع كلّ ما تحبّ القيام به في قائمةٍ واحدة، ثم ارفع إلى رأس القائمة العمل الذي يدرّ عليك أكبر ربحٍ ماليّ.
لا تعترض على الاهتمام بالمال منذ البداية وتذكّر أنّ أشدّ الناس معارضةً للاهتمام بالمال قد يكونون هم الأبعد عن عالم الواقع الذي يعيش فيه كلّ الراشدين المتحمّلين للمسؤوليات.

إنّ اكتشاف ما ينبغي عليك القيام به في مسيرتك المهنية ليس بالأمر السهل. يتألّف طريق الاكتشاف من ست خطوات ويبدأ بالغربلة والاستبعاد.

1- غربل خياراتك

اشطب من القائمة كل الأمور التي تحب القيام بها ولكن لا فرصةَ لك في الكسب الوفير منها إلاّ كفرصة العثور على كنز مدفون في حديقة منزلك. استبعد أشياء مثل أن تكون لاعب كرة قدم تتنافس النوادي الكبرى على شرائه، أو رسّاماً عظيماً تباع لوحاته بالملايين، أو مالكاً لنادٍ رياضي كبير.

ومع احتفاظك بالحزم والتركيز ذاته اذهب بالقلم الآن إلى شطب كلّ ما يحلو لك القيام به ولكنّه ليس مصدراً للكسب الكافي في أيّ حال مثل: العمل التطوّعي، أو كتابة قصص الرحلات..

2- انظر فيما بقي بعد الغربلة

إن كنت جسوراً مقداماً على المخاطر فإنّ مجال “ريادة الأعمال Entrepreneurship” ومغامرة النجاح بنفسك هي ما يبقى أمامك. وإن لم تكن من هذا النمط فإنّ “الوظيفة” هي كلّ ما يبقى. نعم، هذه هي حياة الراشدين الواقعية لدى معظم الناس، ينهض أحدنا صباح كل يوم ليمضي إلى الشغل في وظيفة لم يتخيّل العمل فيها أبداً عندما كان طفلاً.

3- اسأل قلبك واستكشف أعماقك

هل تشعر بأنّك تكادُ تتخلّى عن أنفاسك إن تخلّيت عن هذا الطريق؟

هل أنت شخصٌ دأب على الكتابة منذ أن أصبح بإمكان أصابعه الإمساك بالأشياء ولا تقدر الآن على مجرّد التفكير في العيش دون كتابة؟ إذاً لا تتخلّ عن الكتابة، ثابر عليها ولكن في منزلك بعد العمل.

إنّ عشقك الكتابة لا يعني أنّ عليك العمل في الصحافة. بل يجب عليك أن تكتب لأنّك تحبّ الكتابة، وينطبق هذا المبدأ على كل شيءٍ آخر.

إن كنت تحب القيام بأمر بكل جوارحك فهذا لا يعني أنّه السبيل لكسب رزقك.

4- كن صادقاً في تحديد ما تحب القيام به

إن رأيت نفسك لا تكرّس وقتاً منتظماً للقيام بالأمر دون تحصيلِ ربحٍ ماليّ منه فأنت لا تحبّه حقاً. شبّه محبّتك لهذا الأمر بعشقك لطبقك المفضّل أو بشغف لاعب كرة القدم بالجري وراء تلك الكرة. إنّه يمارس اللعبة باستمرار، ولا يتوقّف لعبه على أن تكون المبارة مأجورة، إنّه يحب ما يقوم به على أي حال.

ترى هل تتحرّق شوقاً إلى ممارسة ما تزعم أنّك تحبّه كما يتحرّق الرياضيّ العاشق إلى اللعب؟  إن كانت إجابتك متردّدةً فأنت لا تحب ذلك العمل بالقدر الذي تتوهّمه، والحقيقة هي أنّك ربما تكون تحبّ التخيّل والتفكير في أنّك تحبّه وتحبّ الصورة الجديدة التي تكتسبها بعد أن تعلن حبّك له.

5- إن لم تكن مشغوفاً بشيء فاعترف بذلك فوراً

إن لم يكن لديك شيء تتعلّق بالقيام به تعلقاً يملأ كيانك وتجدُ لتنفيذه أهميةً لا يعلو عليها شيء، فالراجح هو أن ليس لديك شيءٌ تقوم به خيراً من أن تنهض صباح كل يوم وتمضي إلى وظيفتك، وخيرٌ لك إذاً أن تبدأ بذلك فوراً في أيّ مجال متاح.

توقّف عن مماطلة وتضليل نفسك بزعم أن لديك اهتماماتٍ كثيرة لا تستطيع الاختيار من بينها. الحقيقة هي أنّك لا تمتلك اهتماماً واضحاً متماسكاً، وفي هذه الحالة ليس عليك التفكير في كثيرٍ من الجوانب قبل أن تقوم بأيّ عمل.

6- املأ فراغ حياتك عملاً

يجب عليك اكتساب رزقك في كل الأحوال. ولأنّه ليس لديك شيءٌ آخر تملؤك الرغبة في القيام به وترى الانصراف عنه انصرافاً عن حياتك فليس أمامك إذاً سوى أن تجد وظيفةً في أيّ مكان وتكفّ عن التذمّر.

أفضل طريقةٍ كي تجد نفسك هي أن تتحرّك وتعمل. إنّنا نحن البشر نجدُ أنفسنا بالشغل وليس بالتفلسف.

بعيد تخرّجي في الكلّية قمتُ بالخطوات السابقة التي نصحتك بالقيام بها، وكان الأمر صعباً على النفس حقاً. كنت أكره مجرّد التفكير في العمل موظفاً لدى الشركات، ومع كراهيتي للوظائف كان ما أريده واضحاً في ذهني كل الوضوح: أحبّ أن أكون لاعب كرة محترفاً. لقد كنتُ مستعداً لتحمّل كلّ شيء في سبيل ذلك. لم يكن احتراف اللعب ملبياً لمعيار الكفاية المادية الذي حدّثتكم عنه ولكنني أقدمت عليه بالرغم من ذلك لأنّه كان واضحاً في ذهني تماماً أنّ هذا ما أريده وأنّني مستعدّ لتحمّل كل نتائجه.

بعد أن توقفت عن لعب الكرة، جرّبت كثيراً وتنقّلت من وظيف إلى وظيفة وذهني لا يخلو أبداً من البحث عن العمل الملائم لي. وفي النهاية عرفته: إنّه الكتابة. لكن خلال فترة التنقّل والبحث كنت أكتب ليلاً بعد عودتي من العمل. لم يوقفني عملي عن الكتابة التي أعشقها، ولم أتوقّف عن القيام بأي عمل بانتظار العمل بالكتابة.

لدينا جميعاً أو لدى معظمنا نحن البشر مساران مهنيان اثنان. لدينا المهنة التي نرتزق بها، ولدينا العمل الذي نقوم به في المنزل أو في أيّ مكان آخر لأنّنا نحبّه.

المسار المهنيّ هو ليس وظيفتك التي تقوم بها في نهار العمل وحسب وإنّما هو كيف تقضي ساعاتك الأربع والعشرين كلّها.

أنفق كل تلك الساعات فيما تراه قيّماً ومهمّاً لك، ولا تبخل على نفسك ببعض الوقت تقضيه في البحث ومعرفة الشيء الذي ينبغي أن يكون هو المهمّ والأولى لديك. إنّ هذا البحث عن شيءٍ تقومُ به شغفاً مطلبٌ لا بدّ منه كي تحقّق ذاتك.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *